الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2015

ولسنا سوى ذكرى وأثر ...

يُقال أنَّ من عاش على شيء مات عليه .. لم يكن أحد يتوقع أن يكون موتك بهذه البساطة .. أتأمل حياتك، فأجدُك خفيفًا، بسيطًا، طيبًا.
اتأملك أكثر .. فتربكني .. ليس بالضرورة أن تكون مشهورًا، أو خارقًا، أو "سوبر مان" لتترك كل هذا الأثر .. فقط كن "طيبًا".

أراهم يتحدثون عنك،  لكل منهم حكاية معك .. فيقصها على الجمع .. يوضح كم كنت تساعد من يطرق بابك دون أي مقابل، تساعدهم .. ثمَّ تُكمل طريقك غير آبه بما يقولون، حتى هؤلاء الأوغاد ممن آذوك، كنت أيضًا تغض الطرف عن فعلتهم وتساعدهم، لست متعمدًا، ولكنها فطرتك السليمة .. أستمع لحديثهم الذي يختمونه بـ "كان راجل طيب" .. فأبتسم.

الطيبون، ذوي الأرواح الخفيفة، يصنعون ذكرياتك دون حتى أن تشعر بوجودهم، يصنعونها .. ويتربعون في ذاكرتك، دون إدراكك، دون حتى أن تلمحهم .. يفعلون ذلك بتلك البساطة .. دون أن يعوا، أنفسهم، أنهم حققوا أي شيء.

أحاول تذكر ملامحك، آخر موقف جمعنا، آخر حديث لنا سويًا، تخونني الذاكرة، فأغضب من دوامة الحياة .. ويجتاحني الشعور بالتقصير.

يومها .. كنت عائدة من القاهرة .. كان يومًا طويلاً ومرهقًا، أخبرتني أمي بالحادث .. ثمَّ أكدتلي أنها "جات سليمة" وأنك عدت من المستشفى وأصبحت بخير، اطمئن قلبي، واتفقت وإياها أن أذهب لرؤيتك غدًا، نعم .. كنت أشعر أنك أقوى من الموت، وأنها لن تكون أبدًا النهاية .. لكنها على عكسي أصرت، دون مبرر،  أن تراك مرة ثانية في اليوم ذاته .. فذهبت وعادت باكية.

طوال الخمس وتسعون عامًا، وحتى اليوم الأخير، كنت تتحرك كطفل يستكشف الحياة بكل شغف، كانت حركتك الدائمة ورفضك التام للمساعدة من أحد، شيئًا ملهمًا لنا جميعًا ... حتى عندما جاء القدر ليكتب النهاية، كتبها بما يليق بك .. لم تمرض .. لم تلزم الفراش .. لم تُثقل على أحد رغم كبر سنك .. الحادث وقع وأنت ذاهبًا كعادتك لتشتري جريدتك_ ما زال لديك الفضول لتتابع أخبارهذا الكوكب اللعين!!_ فجاءت الإصابة في ساقك، وكأنك تخبرنا: أنا "حركة" .. ومادمت توقفت عنها، ولو لسويعات،  توقفت عن الحياة.

آخر ما أود أن أخبرك به .. أنني منذ زمن لم أبكِ ولم أكتب أيضًا .. جمودي كان غريبًا_ أنا الهشة التي تبكيها أتفه الأسباب_ عدت بك إلى هشاشتي وبكيت كثيرًا، وكتبت ..  لكن أتعلم؟ أنا لست حزينة .. لأنني أحسبك من الطيبين الصالحين الأنقياء اللذين استخدمهم الله ولم يستبدلهم.

. فلترقد في سلام .. وليرحمك الله.

ليست هناك تعليقات: